محمد غازي عرابي

883

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ الصافات : 83 ، 113 ] ضرب اللّه مثلا آخر إبراهيم ، وقال إنه من شيعة نوح ، وكذلك كل من انفك من أسر الدنيا فهو مثل إبراهيم من شيعة نوح ، وما الذي فعله إبراهيم ؟ لقد نظر في عالم الصور المتحركة المدعوة الكثرة ، ثم رفع رأسه ، وقلب وجهه في النجوم ، فأدرك ووعى ، وما وعاه أن هذه الصور المتحركة من أصنام البشر ليست قائمة بذاتها ، بل بوجود آخر أصيل قديم ، فرغب عما عبده أبوه وأجداده إلى رب الصور ، وجعل يضرب أصنام الصور ، فكانت النتيجة أن ثار قومه به ، وغضبوا عليه ، إذا اعتادت الكثرة التعلق ببعضهم بعضا ، وربط الأسباب بالمسببات وجعلها كلها طبيعية ، فلا خالق هناك ، ولا قضاء ولا قدر ، ولا رب للصور والبشر ، وتلقى إبراهيم ربه فنجاه من الجحيم التي أراد قومه أن يلقوه فيها ، ونجاه إلى بر أمين ، فنادى إبراهيم ربه أن هب لي من يخلفني على عرش التوحيد العظيم ، فبشره ربه بغلام حليم ، يحلم عن سفاهة النفس الأمارة وعن غضبها . وولد إبراهيم إشارة إلى ولادة معنوية لإبراهيم ، وولادته بعثية جديدة ، قائمة باللّه ، يرى بها ما رأى نوح من قبل ، وكان على إبراهيم أن يضحي بنفسه التي لم تعد له ، والتي وهبه اللّه إياها على سبيل الاستعارة ، فعرض إبراهيم على نفسه ما رآه في منامه أن يذبح ولده ، فقالت النفس التي رجعت إلى ربها راضية مرضية : إفعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين . تلك هي سنة اللّه في الأولين ، سبحانه ما اصطفى من ذرية نوح من أحد من الصالحين إلا أمره بذبح نفسه قربانا للّه ، فإذا امتثل العبد الصالح أمر اللّه ، وتل نفسه للجبين ، تقبلها اللّه بقبول حسن ، وردها إلى عبده قائلا : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ كان أحدهم عند ذي النون ، فجاءه رجل فقال : رأيت أبا يزيد البسطامي ؟ فقال : نعم رأيته ، فقلت له : أنت أبو يزيد ؟ فقال ومن